Looking at me

Looking at me

samedi 19 novembre 2016

نصف قرن من السينما التونسية في كتاب

تعتبر تونس من روّاد صناعة السينما عربيّا، إذا علمنا أن أول قاعة عرض سينمائية دائمة أقيمت في مدينة تونس تعود إلى عام 1907. هذا التاريخ الطويل الذي يمتد إلى أكثر من قرن من الزمن عرفت خلاله السينما التونسية منعرجات وأحداثا أثرت على الإنتاج والنوعية، لم يحظ من قبل الدارسين بالاهتمام الذي يستحق، حيث تفتقر المكتبة التونسية إلى مؤلفات تعنى بتاريخ الفن السابع في تونس والتعريف بأسمائه التي خدمت السينما، كتابة وإخراجا وتمثيلا.

العرب 
أشرف القرقني [نُشر في 2016/11/02، العدد: 10443، ص(14)]


يعدّ كتاب “خمسون عاما من السينما التونسية” محاولة جادة لخلق مدونة لعلها الأولى من نوعها في مجال السينما، إذ تتجه في خطّين متباينين: الأوّل هو خط تاريخي يشمل امتدادا ومراكمة لحضور السينما في تونس منذ إرهاصاتها التأسيسية إلى استقرارها وتطورها. أما الثاني فهو يحاول أن يتجاوز التأريخي إلى تأمل المشروع السينمائي التونسي صناعةً وآثارا فنية.
الكتاب، صدر منذ أيام قليلة تزامنا مع حلول الدورة السابعة والعشرين لمهرجان قرطاج السينمائي، عن المركز الوطني للسينما والصورة. وهو كتاب جماعي عربي-فرنسي أشرف على إخراجه وضبط مادته الناقد السينمائي والكاتب الهادي خليل. وقد توزع على 559 صفحة بين قسميه العربي والفرنسي.
يضمّ الكتابُ مشاركات عديدة لمساهمين بارزين في المجال السّينمائي التّونسي نذكر من بينهم المنتج نجيب عياد، والمخرج والناقد السينمائي فريد بوغدير الذي كانت بدايته في الإخراج مع فيلم “حلفاوين أو عصفور سطح”، وحسن عليلش مدير مهرجان سوسة الدولي لفيلم الطفولة والشباب، والكاتب المسرحيّ والنّاقد السّينمائي يوسف البحري.
شذوذ محمود
توزّعت أقسام الكتاب: أولا على مرحلة التّأسيس: البيئة والتطلعات والعوائق، ثانيا نوادي السينما وحركة السينمائيين الهواة، ثالثا أفلام الريادة الأولى، رابعا قاعات السينما التونسية بين الأمس واليوم، خامسا مكاسب أجهضتْ، سادسا مغامرو: الإنتاج والتّوزيع والاستثمار في قاعات السينما والإخراج، سابعا النقد السينمائي، وأخيرا قراءات فيلميّة ومشكلات السّينما التّونسيّة ومآزقها.
التجارب تشكل خطا تاريخيا يشمل مراكمة لحضور السينما في تونس منذ إرهاصاتها التأسيسية إلى استقرارها وتطورها
يبدو جليّا من خلال قائمة الأقسام ذلك المسار الذي نظم الكتاب منهجا وتصوّرا. هناك سعي واضح لتقديم عصارة التجربة السينمائية التونسية وتوفير مدونة للبحث فيها والاطلاع عليها من جوانب مختلفة تاريخية ومعاصرة في آن واحد، وفنية ونقدية ولوجستية. يقول الهادي خليل في المقدمة “يبدو هذا الإصدار مبدئيا وظرفيا. لكن في محتواه، وفي روحه وفي مقاصده، ليس الأمر كذلك بما أنه يطمح إلى اغتنام هذه المناسبة بغية التفكير في مسار السينما التونسية ككلّ، مستعيدا مكاسب ماضيه، ومتنبّها إلى مستجدّات حاضرها وملابساته، ومتلمّسا آفاق مستقبلها ووعوده”. إنه كتاب قلما عملت الثقافة التونسية على استحداث ما يشاكله في مجالات أخرى بمثل هذه القدرة على تكثيف نصف قرن في دفتين، عسى ألا تُطوى هذه الصفحات في الرفوف بعيدا عن السينمائيين الشباب هواة أو محترفين والباحثين في المجال والمهتمين به.
إنّ نصف قرن من الممارسة السينمائية التونسية المحتفى به في الكتاب، يستندُ إلى نقطة انطلاق ممثلة في فيلم “الفجر” الصادر سنة 1966 من إخراج عمر الخليفي. ولذلك كان من المنطقي أن يولي الكتاب لهذا المخرج العصامي حق تشريفه والاهتمام بتجربته، الأمر الذي قلما حدث في التظاهرات الثقافية في تونس؛ إذ اطّرد أن يقترن الحديث عن فيلم “الفجر” بنقائصه الفنية وتعثره في خلق خطاب سينمائي متماسك.
وحتى إن تمت الإشارة إلى السياق التّاريخيّ ذاك بما يتضمنه من عوائق، فإنّ الحديث عن عمر الخليفي لطالما غاب عنه ذلك الاحتفاء الذي يستحقه صاحبُ مدونة فنية تأسيسية. ويبدو أن المشرف على كتاب الخمسينية لم يغفل هذه الضرورة. وقد خص تجربة عمر الخليفي بفصل كامل من فصول القسم الأوّل عنونه بـ”عمار الخليفي ملء قلوبنا” جمع فيه حوارات مع المخرج كان اختتمها بمقال له يدرس خصوصية تجربته إذْ كانت آخر فقراته موسومة على النّحو التّالي: “أهمية الفعل التدشيني”.

عودة إلى مكاسب الماضي ونظرة إلى مستجدات الحاضر

حضور النقد
اهتمام الكتاب بمختلف المجالات التي تتعلق بالقطاع السينمائي التونسي من جمعيات وإنتاج وتوزيع وقاعات وتكوين وتدريس لم يمنعه من أن يتضمن قسمين طريفين في سياقه هذا؛ القسم الأول خصص للنّظر في النقد السّينمائي من خلال ثلاث تجارب متباينة. تتمثل الأولى في تجربة أندري بازان، الناقد الفرنسي الذي يعتبر الأب الروحي لحركة الموجة الجديدة في السينما الفرنسية وأحد مؤسسي مجلة “دفاتر السينما” الشّهيرة. أما الثانية، فهي تجربة لم يعتد القراء التعامل معها من هذا المنظور وأعني تجربة الشاعر والكاتب التونسي الفرنسي عبدالوهاب المدب. والثالثة هي تجربة فريد بوغدير الذي استهل علاقته بالسينما ناقدا، ثم مر إلى الإخراج.
بالإضافة إلى ذلك، احتوى الكتاب قراءات فيلمية لتجارب رائدة في السينما التونسية مثل عبداللطيف بن عمار والنوري بوزيد. لكن النصيب الأوفر على الأرجح، جاء في شكل مقالتين كتبهما المسرحي والناقد السينمائي يوسف البحري على نحو إبداعي عن فيلم “على حلة عيني”، لليلى بوزيد (إنتاج 2015)، وفي ذلك ما يجلي عزم المشرف على الكتاب على أن يصل الماضي بالحاضر ويفتحهما على إمكانات وآفاق جديدة. هذا الفيلم هو الأول لمخرجته الشابة. تدور أحداثه في صيف 2010 أي قبيل أحداث الثورة التونسية أو ما سيسمى كذلك، ويتّخذ من موضوع الحراك الشبابي فنيا وسياسيا موضوعا رئيسيا له.
يبدو أنّ الهادي خليل يتيح لصاحبة “على حلة عيني” ما لم يتحه المشرفون على البلاد لشخوص فيلمها وهم مجموعة موسيقيين شباب حالمين. يفتحُ عينها -ومن خلالها عيون المخرجين الشباب في تونس- على نقد من نوع آخر، نقد يتجه إلى عمق خطابهم الفني، يقيمُ في طبقاته الأعمق، ويخرج منه ممتلئا بإمكاناته مُشيرا إلى آفاقه البعيدة.
يقول يوسف البحري في خاتمة مقاله الأول عن الفيلم “إنه فيلم يريد فهم منعطف تاريخي عاصف بالعودة إلى الأسباب الاجتماعيّة العميقة وليس السطح السياسي. أفردت ليلى بوزيد فيلما للحظة ما قبل الانفجار الاجتماعي والسياسي في تونس سنة 2011. وطرح السؤال بعد خمس سنوات يعني أن الانفجار ما زال في بدايته. هل يعني أن المخرجة على عتبة مشروع سينمائي خاص بها؟ هل عبارة صيف 2010 (في الفيلم) هي إشارة في ترتيب تاريخي منهجي لسلسلة أفلام مخطط لها؟ أم ممكنة؟”.

شاعر تونسي يعذب ناظريه بالتلصص على نافذة الجارة

لا تعريف نهائيا للشعر لكننا يمكن أن نتفق على أن الشعر سميّ الحياة، تلك الحركة التي لا تعرف الركود، وكذا في الشعر لا منجز عظيما فيه من دون مجازفة وتجريب، من دون كسر للثبات والجمود. وحسب المغامر أن يمضي في المسافات إلى آخرها. بهذا الوعي تحاول التجارب الشعرية الجديدة فتح آفاق لتجربة أدبية هامة من حيث الأصالة التي تؤسّس لها والتمايز الذي تحدثه من غيرها.

العرب أشرف القرقني [نُشر في 2016/11/19، العدد: 10460، ص(16)]

تخلق قصائد المجموعة الشعرية “شبّاك جارتنا الغربية”، للشاعر التونسي سفيان رجب نسيجا دلاليّا لقضايا ثقافية مدارها الاغتراب والتشتت، في الوقت الذي تقترح فيه القصيدة نفسها قصيدة غزل لها تناصّها مع التراث الشعري العربي.
اجتماع التنافر
تنضاف المجموعة الثالثة الجديدة، الصادرة عن دار “زينب للنشر والتوزيع”، بتونس، إلى سابقتيها “كالبرتقالة فوق مائدة الفقير” و”الحدائق المسيّجة” لتشكّل بداية منجز فني محترم في المشهد الأدبي التونسي والعربي خاصة إذا ما قدّرنا اتجاهه نحو خلق الطرافة وخوض التجريب.
هناك محاولة لتثبيت مشروع تجربة شعرية لها حساسيتها ومنطقتها التي تحفر فيها عميقا. ولعل كتاب “الحدائق المسيّجة” قد مثّل الخطوة الأكثر ثباتا إلى حد الآن في هذه الطريق الوعرة. وهو كتاب قصائد نثر بينما يمثل معظم الكتابين الأول والأخير قصائد من شعر التفعيلة. إلى أين يأخذ سفيان رجب قارئه في هذا الإصدار الجديد إذن؟
إضافة الشباك إلى الجارة تفيد لغويّا التخصيص فيما تنسحب الغربة على هذه الجارة نعتا يخبر عن طبيعة حضورها ويميزها بدورها من غيرها. فهي الجارة الغريبة تلك. تُعرفُ من دون غيرها من خلال الصّفة الموسومة بها، لكنّ الطريف هنا هو حضور ضمير المتكلم الجمع “نحن” في قوله “جارتنا”. هناك خطاب تحمله الجماعة، جماعة الحي أو الوطن أو حتى الثقافة. يقول الشاعر في القصيدة التي تحمل نفس العنوان: “لها غياب فادح حقا، وشبّاك يعذب ناظريه/ هي لم تكن أبدا هناك،/ وإنما كانت هنا: في العين تُغلقها وتفتحها/ ومنزلها المغلق نحن كنا ساكنيه”.
ثمة اجتماع لتنافر دلالي تكمن فيه الكلمات البيضاء للقصيدة: الجارة الغريبة في آن والمنظور إليها من خلال غيابها عن شبّاك مغلق. كما أنّ النّاظرين يفتّشون عنها هناك في النّافذة المغلقة بينما هي تقيم في نظراتهم. إنّهم مشتّتون بين خارج البيت وداخله والقناة التي تصلهم هي الشبّاك.
كتابة شعرية حديثة تستبطن تصورا ورؤية للشعر والأدب، وتؤسس موقفا مما كتب ويكتب حتى الآن
الشبّاك هنا رمز غربة الأليف (الجارة) وقد موضعها الشّاعر أي صيّرها إلى شيء موضوعي. فيما تنظر إليها الجماعة كما لو أنّها في الخارج، تغفل عن كون هذه الغربة/الشّبّاك تسكن داخلها. فعلام يفتحه الشّاعر؟ وإلى أيّ حدّ يوفّق في رهانه ذاك؟
مشاهد الشباك
بوّب الشّاعر كتابه الشّعري إلى سبعة أبواب تتفاوت من حيث النّصوص التي تندرج ضمنها. هناك ثلاثة أبواب تمثّلت في قصائد مفردة هي: الرّسّام الضّرير، نخلة نيسان وسجن الشّرق.
يبدو أنّ الشّاعر يغلّظ نصوصا شعريّة على حساب أخرى. وذلك ما ظهر في مستوى الإخراج الفني أيضا.
ربما يكون ذلك لوعي ضمني بأهميتها في تشكيل رؤية الكتاب وجماليته وتجاوزها لقصائد أخرى تقيم معها في نفس الكيان الأدبي.
هناك في الحقيقة مشهدان مختلفان يفتح عليهما شبّاك سفيان رجب. ينتمي المرأى الأوّل إلى مشروعه الأدبي ويشكل امتدادا وتطوّرا لتجربة “الحدائق المسيّجة” بغض النّظر عن متاهات الشكل الكتابي وإن كان ذلك أمرا ليس “شكليّا” أي ثانويّا كما يراه البعض. هذا النوع من النصوص تعبر عنه مثلا قصيدة “نخلة نيسان” التي تضمّنت المقطع النّثري الوحيد في الكتاب وهي الباب الثالث منه وكذلك قصيدة “سجن الشّرق” وقصائد أخرى كثيرة من بينها قصيدة الختام “الشّاعر والنّاس”.
في مثل هذه القصائد يواصل الشّاعر استقدام الحكايات والأنساق الثقافية التّراثية ممثلة في رموزها وكناياتها فيخربها من حيث ينتمي إليها ويسكنها. ويخرج أفعى من جلدها بكيان حديث.
ووجه الحداثة في ذلك سؤاله عنها وبحثه عن أقنعتها وصورها ووعيه بأنّ الأفعى التي خرجت بجلدها الحي هذا ليست هي نفسها من كانت تلبس القديم. يواصل أيضا تسريد الشعر على نحو مخصوص متصل بحكايات القدامة ومبلّل بأسئلة الفلسفي.
في المقابل تضمّن المرأى الثّاني عددا أقلّ من القصائد التي كانت غريبة بعض الشّيء عن مشروع صاحبها الأدبي. تلك النصوص التي اكتفت بخلق جماليّة مألوفة في احتفاليّة إيقاعيّة عالية. بعضها وإن وُزّع وفق نظام السطر الشعري، فقد انتظمه منطق الصّدر والعجز. والبعض الآخر ظلّ يراوح بين صور شعريّة “مستحسنة” و”معاني مولّدة”. وهذا ما ينتمي في نظرنا إلى منوال جمالي بلاغي قديم لا تنخرط فيه تجربة سفيان رجب.
يقول في مطرية العاشقين “مطريّة زرقاء ينسجها الخريف/ هي قبّة للعاشقين على الرّصيفْ/ قالت له مطرا، وقال لها مطرْ/ وتهاطل المطران من شفة الخريفْ”.
إنّ مسألة الأشكال التي ألمحنا إليها هنا ليست مجرّد خيار شكلي ثانوي كما يلح على ذلك الكثير من الكتاب والنقاد إلى حد الآن. الشكل الأدبي حمال لمتصورات فكرية وفلسفية. ولذلك يتجدد باستمرار ويولد الواحد فيه من الآخر. الحياة تعرف ذلك جيّدا. هي لا تفصل هندستها عن فيزيائها. كذلك لا تُعرف الشّجرة خارج شكل الشّجرة. ولا البحر خارج شكله ذاك. ما تبخر منه صار هواء. وما تصلّب صار أرضا يابسة. لذلك فإنّ الكتابة في التفعيلة أو النّثر بما هما شكلا كتابة شعريّة حديثة تستبطنُ تصوّرا مّا ورؤية للشّعر والأدب وموقفا ممّا كتب ويكتب الآن. وحتى إن شهدت مجموعته الشعرية هذه “شبّاك جارتنا الغريبة” تفاوتا مع سابقتها، فإننا نرى أنه حسب الشاعر فيها التجريب في أكثر من منطقة شعرية.